موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)

خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثّل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدّسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439هـ) الموافق (15/12/2017م)

نص ما ورد بشأن الأوضاع الراهنة في العراق في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة السيد احمد الصافي في (21/ شوال /1436هـ) الموافق( 7/ آب/2015م )

نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد

نص ما ورد بشأن الأوضاع الراهنة في العراق في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (12/ رمضان /1435هـ) الموافق( 11/ تموز/2014م )

نصّ ما ورد بشأن الوضع الراهن في العراق في خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي ممثّل المرجعية الدينية العليا في يوم (5/ رمضان / 1435 هـ ) الموافق (4/ تموز / 2014م)

نصّ ما ورد بشأن الأوضاع الراهنة في العراق في خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي ممثّل المرجعية الدينية العليا في يوم (21 / شعبان / 1435هـ ) الموافق (20 / حزيران / 2014 م)

----- تصريح حول الأوضاع الراهنة في العراق (14/06/2014) -----

ما ورد في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (14/ شعبان /1435هـ) الموافق ( 13/6/2014م ) بعد سيطرة (داعش) على مناطق واسعة في محافظتي نينوى وصلاح الدين وإعلانها أنها تستهدف بقية المحافظات

بيان صادر من مكتب سماحة السيد السيستاني -دام ظلّه - في النجف الأشرف حول التطورات الأمنية الأخيرة في محافظة نينوى

الكتب الفتوائية » منهاج الصالحين ـ الجزء الأول (الطبعة المصححة والمنقحة)

→ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مستحدثات المسائل

• (1) الاقتراض - الإيداع
المصارف والبنوك في الدول الإسلاميّة على ثلاثة أصناف:
1. الأهليّ: وهو الذي يكون رأس ماله من مال شخص واحد أو أشخاص مشتركين.
2. الحكوميّ: وهو الذي يكون رأس ماله مُكوَّناً من أموال الدولة.
3. المشترك: وهو الذي تشترك الدولة والأهالي في تكوين رأس ماله.
مسألة 1: لا يجوز الاقتراض من البنوك الأهليّة بشرط دفع الزيادة لأنّه رباً محرّم، ولو اقترض كذلك صحّ القرض وبطل الشرط، ويحرم دفع الزيادة وأخذها وفاءً للشرط.
وقد ذكر للتخلّص من الربا طرق:
منها: أن يشتري المقترض من صاحب البنك أو من وكيله المفوَّض بضاعة بأكثر من قيمتها الواقعية 10% أو 20% مثلاً بشرط أن يُقرضه مبلغاً معيّناً من النقد لمدّة معلومة يتّفقان عليها، أو يبيعه متاعاً بأقلّ من قيمته السوقيّة ويشترط عليه في ضمن المعاملة أن يُقرضه مبلغاً معيّناً لمدّة معلومة، فيقال: إنّه يجوز الاقتراض عندئذٍ ولا رباً فيه.
ولكنّه لا يخلو عن إشكال، والأحوط لزوماً الاجتناب عنه، ومثله الحال في الهبة والإجارة والصلح بشرط القرض.
وفي حكم جعل القرض شرطاً في المعاملة المُحاباتيّة جعل الإمهال في أداء الدين شرطاً فيها.
ومنها: تبديل القرض بالبيع، كأن يبيع البنك مبلغاً معيّناً كمائــة دينار بأزيـــد منــه - كمائة وعشرين دينار - نسيئة لمدّة شهرين مثلاً.
ولكن هذا وإن لم يكن قرضاً ربويّاً على التحقيق غير أنّ صحّته بيعاً محلّ إشكال.
نعم، لا مانع من أن يبيع البنك مبلغاً كمائة دينار نسيئة إلى شهرين مثلاً، ويجعل الثمن المؤجَّل عُمْلَة أُخرى تزيد قيمتها على المائة دينار بموجب أسعار صرف العملات بمقدار ما تزيد المائة والعشرون على المائة، وفي نهاية المدّة يمكن أن يأخذ البنك من المشتري العملة المقرّرة أو ما يساويها من الدنانير، ليكون من الوفاء بغير الجنس.
ومنها: أن يبيع البنك بضاعة بمبلغ كمائة وعشرين ديناراً نسيئة لمدّة شهرين مثلاً، ثُمَّ يشتريها من المشتري نقداً بما ينقص عنها كمائة دينار .
وهذا أيضاً لا يصحّ إذا اشترط في البيع الأوّل قيام البنك بشراء البضاعة نقداً بالأقلّ من ثمنه نسيئة ولو بإيقاع العقد مبنيّاً على ذلك، وأمّا مع خلوّه عن الشرط فلا بأس به.
ويلاحظ أنّ هذه الطرق ونحوها - لو صحّت - لا تحقّق للبنك غرضاً أساسيّاً وهو استحقاق مطالبة المدين بمبلغ زائد لو تأخّر عن أداء دينه عند نهاية الأجل وازدياده كلّما زاد التأخير، فإنّ أخذ الفائدة بإزاء التأخير في الدفع يكون من الربا المحرّم ولو كان ذلك بصيغة جعله شرطاً في ضمن عقد البيع مثلاً.
مسألة 2: لا يجوز الاقتراض من البنوك الحكوميّة بشرط دفع الزيادة لأنّه رباً، بلا فرق بين كون الاقتراض مع الرهن أو بدونه، ولو اقترض كذلك بطل الشرط كما يبطل أصل القرض وإن خَلا عن شرط الزيادة، لأنّ البنك لا يملك ما تحت يده من المال ليملّكه للمقترض.
وللتخلّص من ذلك يجوز للشخص أن يقبض المال من البنك لا بقصد الاقتراض الربويّ ويرجع فيه إلى الحاكم الشرعيّ، وقد أذِنّا للمؤمنين ممّن يقبضه كذلك بالتصرّف فيه وفق ما حُدّد له من المصارف المشروعة على أحد وجهين:
إمّا بأن يتملّكه من غير ضمان ولكن مع ذلك لىس له الامتناع عن دفع ما ىعادله إلى البنك ما لم ‏ىُسقطه عنه.
وإمّا بأن يحتسبه قرضاً على نفسه - من غىر زىادة - ويكفي عندئذٍ وفاؤه للبنك ذاته وتبرأ ذمّته بذلك، ولا¬ يضرّه على الوجهىن العلم بأنّ البنك سوف يُلزمه بدفع الزيادة أيضاً، فلو طالبه بها جاز له دفعها إليه.
مسألة 3: يجوز الإيداع في البنوك الأهليّة - بمعنى إقراضها - مع عدم اشتراط الحصول على الزيادة، بمعنى عدم إناطة القرض بالتزام البنك بدفع الزيادة، لا بمعنى أن يبني في نفسه على أنّ البنك لو لم‏ يدفع الزيادة لم ‏يطالبها منه، فإنّ البناء على المطالبة يجتمع مع عدم الاشتراط، كما يجتمع البناء على عدم المطالبة مع الاشتراط، فأحدهما أجنبيّ عن الآخر .
مسألة 4: لا يجوز الإيداع في البنوك الأهليّة - بمعنى إقراضها - مع شرط الزيادة، ولو فعل ذلك صحّ الإِيداع وبطل الشرط، فإذا قام البنك بدفع الزيادة لم ‏تدخل في ملكه، ولكن يجوز له التصرّف فيها إذا كان واثقاً من رضا أصحابه بذلك حتّى على تقدير علمهم بفساد الشرط وعدم استحقاقه للزيادة شرعاً - كما هو الغالب -.
مسألة 5: لا يجوز الإيداع في البنوك الحكوميّة - بمعنى إقراضها - مع اشتراط الحصول على الزيادة فإنّه رباً، بل إيداع المال فيها ولو من دون شرط الزيادة بمنزلة الإتلاف له شرعاً لأنّ ما يمكن استرجاعه من البنك ليس هو مال البنك، بل بحكم المال المجهول مالكه، وعلى ذلك يشكل إيداع الأرباح والفوائد التي يَجنيها الشخص أثناء سنته في البنوك الحكوميّة قبل إخراج الخمس منها، لأنّه مأذون في صرفه في مؤونته وليس مأذوناً في إتلافه، فلو أتلفه ضمنه لأصحابه.
هذا إذا لم ‏يقع الإيداع بإذن الحاكم الشرعيّ مع ترخيصه للبنك في أداء عوض المال المودع ممّا لديه من الأموال، وأمّا الإيداع مع الإذن والترخيص المذكورين - كما صدر ذلك منّا للمؤمنين كافّة - فيقع صحيحاً ويجري عليه حكم الإيداع في البنك الأهليّ، وأمّا الزيادة الممنوحة من قِبَل البنك وفق قوانينه فقد أذِنّا للمُودعين بالتصرّف في النصف منها مع التصدّق بالنصف الآخر على الفقراء المتديّنين.
مسألة 6: لا فرق في الإِيداع - فيما تقدّم - بين الإِيداع الثابت الذي له أمد خاصّ - بمعنى أنّ البنك غير ملزم بوضع المال تحت الطلــب - وبين الإيـداع المتحرّك - المسمّى بالحساب الجاري - الذي يكون البنك فيه ملزماً بوضع المال تحت الطلب.
مسألة 7: تشترك البنوك المشتركة مع البنوك الحكوميّة فيما تقدّم من الأحكام، لأنّ الأموال الموجودة لديها يتعامل معها معاملة مجهول المالك، فلا يجوز التصرّف فيها من دون إذن الحاكم الشرعيّ.
مسألة 8: ما تقدّم كان حكم الإيداع والاقتراض من البنوك الأهليّة والحكوميّة في الدول الإِسلاميّة، وأمّا البنوك التي يقوم غير المسلمين بتمويلها - أهليّة كانت أم غيرها - فيجوز الإيداع فيها بشرط الحصول على الفائدة، لجواز أخذ الربا منهم.
وأمّا الاقتراض منها بشرط دفع الزيادة فهو حرام، ويمكن التخلّص منه بقبض المال من البنك وتملّكه لا بقصد الاقتراض، فيجوز له التصرّف فيه بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعيّ.

• (2) الاعتمادات
الاعتماد على قسمين:
1. اعتماد الاستيراد: وهو أنّ مَنْ يريد استيراد بِضاعة أجنبيّة يتقدّم إلى البنك بطلب فتح اعتماد يتعهّد البنك بموجبه بتسلّم مستندات البضاعة المستوردة وتسليمها إلى فاتح الاعتماد وتسديد ثمنها إلى الجهة المصدِّرة، وذلك بعد تماميّة المعاملة بين المستورِد والمصدِّر مراسلة أو بمراجعة الوكيل الموجود في البلد، وإرسال القوائم المحدّدة لنوعيّة البضاعة كمّاً وكيفاً حسب الشروط والمواصفات المتّفق عليها، وقيام المستورد بدفع قسم من ثمن البضاعة إلى البنك، فإنّه بعد هذه المراحل يقوم البنك بتسلّم مستندات البضاعة وأداء ثمنها إلى الجهة المصدّرة.
2. اعتماد التصدير: وهو لا يختلف عن اعتماد الاستيراد إلّا في الاسم، فمن يريد تصدير بضاعة إلى الخارج يقوم المستورد الأجنبيّ بفتح اعتماد لدى البنك ليتعهّد البنك بموجبه بتسلّم مستندات البضاعة وتسديد ثمنها إلى البائع المصدّر بعد طيّ المراحل المشار إليها آنفاً.
فالنتيجة: أنّ القسمين لا يختلفان في الحقيقة، فالاعتماد سواء أكان للاستيراد أم للتصدير يقوم على أساس تعهّد البنك للبائع بأداء دين المشتري وهو ثمن البضاعة المشتراة وتسلّم مستنداتها وتسليمها إلى المشتري.
نعم هنا قسم آخر من الاعتماد، وهو أنّ المصدّر يقوم بإرسال قوائم البضاعة كمّاً وكيفاً إلى البنك أو فرعه في ذلك البلد دون معاملة مسبقة مع الجهة المستوردة، والبنك بدوره يعرض تلك القوائم على تلك الجهة، فإن قبلتها طلبت من البنك فتح اعتماد لها، ثُمَّ يقوم بدور الوسيط إلى أن يتمّ تسليم البضاعة وقبض الثمن.
مسألة 9: الظاهر جواز فتح الاعتماد لدى البنوك بجميع الأقسام المذكورة، كما يجوز للبنوك قيامها بما ذكر من الخدمات.
مسألة 10: يتقاضى البنك من فاتح الاعتماد نحوين من الفائدة:
الأوّل: ما يكون بإزاء خدماته له من التعهّد بأداء دينه والاتّصال بالمصدّر وتسلّم مستندات البضاعة وتسليمها إليه، ونحو ذلك من الأعمال.
وهذا النحو من الفائدة يجوز أخذه على أساس أنّه داخل في إىقاع الجعالة، أيْ أنّ فاتح الاعتماد يعيّن للبنك جُعْلاً إزاء قيامه بالأعمال المذكورة، ويمكن إدراجه في عقد الإجارة أيضاً مع توفّر شروط صحّته المذكورة في محلّها.
الثاني: ما يكون فائدة على المبلغ الذي يقوم البنك بتسديده إلى الجهة المصدّرة من ماله الخاصّ لا من رصيد فاتح الاعتماد، فإنّ البنك يأخذ فائدة نسبيّة على المبلغ المدفوع إزاء عدم مطالبة فاتح الاعتماد به إلى مدّة معلومة.
وقد يصحّح أخذ هذا النحو من الفائدة بأنّ البنك لا يقوم بعمليّة إقراض لفاتح الاعتماد، ولا يدخل الثمن في ملكه بعقد القرض ليكون رباً، بل يقوم بدفع دين فاتح الاعتماد بموجب طلبه وأمره، وعليه فيكون ضمان فاتح الاعتماد ضمان غرامة بقانون الإتلاف، لا ضمان قرض ليحرم أخذ الزيادة.
ولكن من الواضح أنّ فاتح الاعتماد لا يضمن للبنك بطلبه أداء دينه إلّا نفس مقدار الدين، فأخذ الزيادة بإزاء إمهاله في دفعه يكون من الربا المحرّم، نعم لو عيّن فاتح الاعتماد للبنك إزاء قيامه بأداء دينه جُعْلاً بمقدار أصل الدين والزيادة المقرّرة نسيئة لمدّة شهرين مثلاً اندرج ذلك في إىقاع الجعالة ويحكم بصحّته.
هذا، ويمكن التخلّص من الربا في أخذ هذا النحو من الفائدة بوجهٍ آخر، وهو إدراجه في البيع، فإنّ البنك يقوم بدفع ثمن البِضاعة بالعُمْلة الأجنبيّة إلى المصدّر، فيمكن قيامه ببيع مقدار من العُمْلة الأجنبيّة في ذمّة المستورد بما يعادله من عملة بلد المستورد مع إضافة الفائدة إليه، وبما أنّ الثمن والمثمــن يختلفان في الجنس فلا بأس به.
هذا كلّه إذا كان البنك أهليّاً، وأمّا إذا كان حكوميّاً أو مشتركاً في بلد إسلاميّ فحيث إنّ البنك يؤدّي دين فاتح الاعتماد ممّا يكون بحكم مجهول المالك لا يصير مديناً شرعاً للبنك بشــيء، فلا يكــون التعهّــد بأداء الزيــادة إليه مــن قبيــل التعهّد بدفــع الربـا المــحــرّم.

• (3) خَزْنُ البَضائع
قد يكون البنك وسيطاً في إيصال البضائع من المصدّر إلى المستورد، فربّما يقوم بتخزينها على حساب المستورد، كما إذا تمّ العقد بينه وبين المصدّر وقام البنك بتسديد ثمنها له، فعند وصول البضاعة يقوم البنك بتسليم مستنداتها للمستورد وإخباره بوصولها، فإن تأخّر المستورد عن تسلّمها في الموعد المقرّر، قام البنك بخزنها وحفظها على حساب المستورد إزاء أجر معيّن، وقد يقوم بحفظها على حساب المصدّر كما إذا أرسل البضاعة إلى البنك دون عقد واتّفاق مسبق مع جهة مستوردة، فعندئذٍ يقوم البنك بعرض قوائم البضاعة على الجهات المستوردة في البلد، فإن لم‏ يقبلوها حفظها على حساب المصدّر إزاء أجر معيّن.
مسألة 11: يجوز للبنك أخذ الأجرة إزاء عمليّة التخزين في كلتا الصورتين المتقدّمتين إذا كان قيامه بها بطلب من المصدّر أو المستورد، أو كان قد اشترط ذلك في ضمن عقد كالبيع - وإن كان الشرط ارتكازيّاً - وإلّا فلا يستحقّ شيئاً.

• (4) بيع البضائع عند تخلّف أصحابها عن تسلّمها
إذا تخلّف صاحب البضاعة عن تسلّمها ودفع المـبالغ المستحقّة للبنك - بعد إعلان البنك وإنذاره بذلك - يقوم البنك ببيع البضاعة لاستيفاء حقّه من ثمنها.
مسألة 12: يجوز للبنك في الحالة المذكورة أن يقوم ببيع البضاعة، كما يجوز للآخرين شراؤها، لأنّ البنك وكيل من قبل أصحاب البضاعة في بيعها عند تخلّفهم عن دفع ما عليهم من بقيّة المبالغ المستحقّة له وتسلّم البضاعة، وذلك بمقتضى الشرط الصريح أو الارتكازيّ الموجود في أمثال هذه الموارد، فإذا جاز بيعها جاز شراؤها أيضاً.

• (5) الكفالة عند البنوك
إذا تعهّد شخص أو أشخاص مشتركون لجهة حكوميّة أو غيرها بإنجاز مشروع، كتأسيس مدرسة أو مستشفى أو جسر أو نحوها، فتمّ الاتّفاق بينهما على ذلك، فإنّ المتعهَّد له قد يشترط على المتعهِّد دفع مبالغ من المال في حالة عدم إنجاز المشروع وإتمامه في الوقت المقرّر عوضاً عن الخسائر التي قد تصيبه، ولكي يطمئنّ المتعهَّد له بذلك يطالب المتعهِّد بكفيل على هذا، وفي هذه الحالة يرجع المتعهِّد والمقاوِل إلى البنك ليصدر له مستند ضمان يتكفّل فيه للمتعهَّد له بأداء مبالغ التعويض إذا امتنع المقاوِل المتعهِّد عن دفعها بعد تخلّفه عن القيام بإنجاز المشروع في الموعد المقرّر .
مسألة 13: تعهّد البنك للجهة صاحبة المشروع بأداء المبالغ المطلوبة على تقدير امتناع المقاول عن أدائها نحوٌ من الكَفالة الماليّة في مقابل الكَفالة المصطلحة - في أبواب المعاملات - التي هي عبارة عن التعهّد لشخص بإحضار شخص آخر له حقّ عليه عند طلبه.
وتفترق الكفالة الماليّة عن الضمان في أنّ الضامن تشتغل ذمّته للمضمون له بنفس الدين المضمون، فلو مات قبل وفائه أُخرج من تركته مُقدَّماً على الإِرث، وأمّا الكفيل الماليّ فلا تشتغل ذمّته للمكفول له بنفس المال، بل بأدائه إليه، فلو مات قبل ذلك لم ‏يُخرج من تركته شيءٌ إلّا بوصيّة منه، ويصحّ عقد الكفالة بإيجاب من الكفيل بكلّ ما يدلّ على تعهّده والتزامه، من قول أو كتابة أو فعل، وبقبول من المكفول له بكلّ ما يدلّ على رضاه بذلك.
مسألة 14: يجوز للبنك أن يأخذ عمولة معيّنة من المقاول المتعهِّد لإنجاز المشروع إزاء كفالته وتعهّده، ويمكن تخريج ذلك من باب الجعالة بأن يعيّن المقاول العمولة المطلوبة جُعْلاً للبنك على قيامه بعمل الكفالة فيحلّ له أخذها حينئذٍ.
مسألة 15: إذا تخلّف المقاول عن إنجاز المشروع في المدّة المقرّرة، وامتنع عن دفع المبالغ المطلوبة إلى المتعهَّد له (صاحب المشروع) فقام البنك بدفعها إليه، فهل يحقّ للبنك الرجوع بها على المقاول أم لا؟ الظاهر أنّه يحقّ له ذلك، لأنّ تعهّد البنك وكفالته كان بطلب من المقاول، فهو ضامن لما يخسره البنك بمقتضى تعهّده، فيحقّ له أن يرجع إليه ويطالبه به.

• (6) بيع السهام
قد تطالب الشركات المساهمة وساطة البنك في بيع الأسهم التي تمتلكها، ويقوم البنك بدور الوسيط في عمليّة بيعها وتصريفها إزاء عمولة معيّنة بعد الاتّفاق بينه وبين الشركة.
مسألة 16: تجوز هذه المعاملة مع البنك، فإنّها - في الحقيقة - لا تخلو من دخولها إمّا في الإجارة، بمعنى أنّ الشركة تستأجر البنك للقيام بهذا الدور إزاء أُجرة معيّنة، وإمّا في الجعالة على ذلك، وعلى كلا التقديرين فالمعاملة صحيحة، ويستحقّ البنك الأُجرة أو الجُعل إزاء قيامه بالعمل المذكور .
مسألة 17: يصحّ بيع هذه الأسهم وشراؤها، نعم إذا كانت معاملات الشركة المساهمة محرّمة - كما لو كانت تتاجر بالخمور أو تتعامل بالربا - لم يجز شراء أسهمها والاشتراك في تلك المعاملات.

• (7) بيع السندات
السندات: صكوك تصدرها جهات مُخوَّلة قانوناً بقيمة اسميّة معيّنة مؤجّلة إلى مدّة معلومة، وتبيعها بالأقلّ منها، مثلاً يبيع السند الذي قيمته الاسميّة مائة دينار بخمسة وتسعين ديناراً نقداً على أن يؤدّي المائة بعد سنة مثلاً، وقد تتولّى البنوك عمليّة البيع، وتأخذ على ذلك عمولة معيّنة.
مسألة 18: هذه المعاملة يمكن أن تقع على نحوين:
1. أن تقترض الجهة التي تصدر السند ممّـــن يشتريــه مبلــغ خمســة وتسعين دينــاراً - في المثال المذكور - وتدفع إليه مائة دينار في نهاية المدّة المحدّدة وفاءً لدينه مع اعتبار الخمسة دنانير الزائدة فائدة على القرض، وهذا رباً محرّم.
2. أن تبيع الجهة التي تصدر السند مائة دينار مؤجّلة الدفع إلى سنة مثلاً بخمسة وتسعين ديناراً نقداً، وهذا وإن لم ‏يكن قرضاً ربويّاً على التحقيق، ولكنّ صحّته بيعاً محلّ إشكال والأحوط لزوماً الاجتناب عنه، فالنتيجة: أنّه لا يمكن تصحيح بيع السندات المذكورة التي تتعامل بها الجهات الرسمـيّة وغيرها.
مسألة 19: لا يجوز للبنوك التوسّط في بيع السندات وشرائها، كما لا يجوز لها أخذ العمولة على ذلك.

• (8) الحوالات الداخليّة والخارجيّة
مسألة 20: الحوالة في المصطلح الفقهيّ تقتضي نقل الدين من ذمّة المُحيل إلى ذمّة المُحال عليه، ولكنّها - هنا - تستعمل في الأعمّ من ذلك، وفيما يلي نماذج للحوالات المصرفيّة:
الأوّل: أن يصدر البنك صَكّاً لعميله بتسلّم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج على حسابه إذا كان له رصيد مالي في البنك، وعندئذٍ يأخذ البنك منه عمولة معيّنة إزاء قيامه بهذا الدور، والظاهر جواز أخذه هذه العمولة، لأنّ للبـنك حـقّ الامتـناع عن قبـول وفـاء دينـه في غـير مـكان القـرض، فيجوز له أخــذ عـمـولة إزاء تنــازلـه عــن هــذا الحــقّ وقــبـول وفــاء ديــنه في ذلـك المكـان.
الثاني: أن يصدر البنك صكّاً لشخص يحقّ له بموجبه أن يتسلّم مبلغاً معيّناً من بنك آخر في الداخل أو الخارج بعنوان الاقتراض منه، نظراً لعدم وجود رَصيد ماليّ للشخص عنده، ويأخذ البنك عمولة معيّنة إزاء قيامه بهذا العمل، والظاهر أنّه يجوز للبنك أخذ العمولة على إصداره صكّاً من هذا القبيل إذا كان مردّه إلى أخذ الجعل على توكيل البنك الثاني في إقراض حامل الصكّ المبلغ المذكور فيه من أموال البنك الأوّل الموجودة لديه، فليس هو من قبيل أخذ الجعل على الإِقراض نفسه ليكون حراماً، بل من قبيل أخذ الجعل على التوكيل في الإِقراض فلا يكون الإِلزام بدفع الجعل مرتبطاً بعمليّة الإِقراض نفسها، بل بالتوكيل فيها، فلا يكون به بأس حينئذٍ.
ثُمَّ إنّ المبلغ المذكور في الصكّ إذا كان من العملة الأجنبيّة يحدث للبنك حقّ، وهو أنّ المدين حيث اشتغلت ذمّته بالعملة المذكورة فله إلزامه بالوفاء بنفـس العملة، فلو تنـازل عن حقّـه هذا وقَبِلَ الوفـاء بالعملة المحـلّيّة جـاز له أخـذ شيء منه إزاء هذا التنازل، كما أنّ له تبديلها بالعملة المحلّيّة مع تلك الزيادة.
الثالث: أن يدفع الشخص مبلغاً معيّناً من المال إلى البنك في النجف الأشـرف مثــلاً، ويأخُذُ تحـويلاً بالمـبلغ أو بـما يعـادله على بنـك آخـر في الــداخل كبـغداد، أو الخــارج كلـبنان أو دمشـق مثــلاً، ويأخـذ البنــك إزاء قيامه بعمليّة التحويل عمولة معيّنة منه، وهذا يمكن أن يقع على نحوين:
أ. أن يبيع الشخص مبلغاً معيّناً من العملة المحلّيّة على البنك بمبلغ من العملة الأجنبيّة تعادل المبلغ الأوّل مع خَصْم عمولة التحويل منه، وهذا لا بأس به كما سبق نظيره.
ب. أن يقوم الشخص بإقراض البنك مبلغاً معيّناً ويشترط عليه تحويله إلى بنك آخر في الداخل أو الخارج مع عمولة معيّنة بإزاء عمليّة التحويل، وهذا لا بأس به أيضاً، لأنّ التحويل وإن كان عملاً محترماً له ماليّة عند العقلاء، فيكون اشتراط القيام به على المقترض من قبيل اشتراط النفع الملحوظ فيه المال المحرّم شرعاً، إلّا أنّ المستفاد من النصوص الخاصّة الدالّة على جواز اشتراط المقرض على المقترض قيامه بأداء القرض في مكان آخر، جواز اشتراط التحويل أيضاً، فإذا كان يجوز اشتراطه مجّاناً وبلا مقابل، فيجوز اشتراطه بإزاء عمولة معيّنة بطريق أولى.
الرابع: أن يقبض الشخص مبلغاً معيّناً من البنك في النجف الأشرف مثلاً، ويُحوّل البنك لاستيفاء بدله على بنك آخر في الداخل أو الخارج، ويأخذ البنك الأوّل إزاء قبوله الحوالة عمولة معيّنة منه، وهذا يقع على نحوين:
أ. أن يبيع البنك على الشخص مبلغاً من العملة المحلّيّة بمبلغ من العملة الأجنبيّة ىعادل المبلغ الأوّل مع إضافة عمولة التحويل إليه، فيحوّله المشتري إلى البنك الثاني لتسلّم الثمن، وهذا جائز كما سبق.
ب. أن يُقرضه البنك مبلغاً معيّناً، ويشترط عليه دفع عمولة معيّنة إزاء قبوله بنقل القرض إلى ذمّة أُخرى وتسديده في بلد آخر، وهذا رباً، لأنّه من قبيل اشتراط دفع الزيادة في القرض وإن كانت بإزاء عمليّة التحويل، نعم إذا وقع هذا من غير شرط مُسبق بأن اقترض المبلغ من البنك أوّلاً، ثُمَّ طلب منه تحويل قرضه إلى بنك آخر لاستيفائه منه، فطلب البنك عمولة على قبوله ذلك جاز، لأنّ من حقّ البنك الامتناع عن قبول ما ألزمه به المقترض من نقل القرض إلى ذمّة أُخرى وتسديده في بلد غير بلد القرض.
وليس هذا من قبيل ما يأخذه المقرض بإزاء إبقاء القرض والإمهال فيه ليكون رباً، بل هو ممّا يأخذه لكي يقبل بانتقال قرضه إلى ذمّة أُخرى وأدائه في مكان آخر، فلا بأس به حينئذٍ.
مسألة 21: قد تنحلّ الحوالة إلى حوالتين، كما إذا أحال المدين دائنه على البنك بإصدار صكّ لأمره، وقام البنك بتحويل مبلغ الصكّ على فرع له في بلد الدائن، أو على بنك آخر فيه يتسلّمه الدائن هناك، فإنّ مردّ ذلك إلى حوالتين:
إحداهما: حوالة المدين دائنه على البنك، وبذلك يصبح البنك مديناً لدائنه.
ثانيتهما: حوالة البنك دائنه على فرع له في بلد الدائن أو على بنك آخر فيه، ودور البنك في الحوالة الأُولى قبول الحوالة، وفي الثانية إصدارها، وكلتا الحوالتين صحيحة شرعاً، ولكن إذا كانت حوالة البنك على فرع له يمثّل نفس ذمّته، لا تكون هذه حوالة بالمصطلح الفقهيّ، إذ ليس فيها نقل الدين من ذمّة إلى أُخرى، وإنّما مرجعها إلى طلب البنك من وكيله في مكان آخر وفاء دينه في ذلك المكان، وعلى أيّ حال، فيجوز للبنك أن يتقاضى عمولة على قيامه بما ذكر، حتّى بإزاء قبوله حوالة من له رصيد في البنك دائنه عليه، لأنّها من قبيل الحوالة على المدين، والمختار : عدم نفوذها من دون قبول المحال عليه، فله أخذ العمولة على ذلك.
مسألة 22: ما تقدّم من أقسام الحوالة وتخريجها الفقهيّ يجري بعينه في الحوالة على الأشخاص، كأن يدفع مبلغاً من المال لشخص ليحوّله بنفس المبلغ أو بما يعادله على شخص آخر في بلده أو بلد آخر، ويأخذ المُحىل بإزاء ذلك عمولة معيّنة، أو يأخذ مبلغاً من شخص ويحوّله بنفس المبلغ أو بما ىعادله على شخص آخر ويأخذ المُحال إزاء ذلك عمولة معيّنة.
مسألة 23: لا فرق فىما تقدّم بين أن تكون الحوالة على المدين أو على البريء، والأوّل فىما إذا كان للمحىل رصيد ماليّ على ذمّة المحال علىه، والثاني ما لم ¬يكن كذلك.

• (9) جوائز البنك
قد يقوم البنك بعمليّة القرعة بين عملائه، ويعطي لمن تصيبه القرعة مبلغاً من المال بعنوان الجائزة ترغيباً للإِيداع فيه.
مسألة 24: هل يجوز للبنك القيام بهذه العمليّة؟ فيه تفصيل:
فإنّه إن كان قيامه بها لا باشتراط عملائه عند إيداعهم لأموالهم في البنك، بل بقصد تشويقهم وترغيبهم على تكثير رصيدهم لديه، وترغيب الآخرين على فتح الحساب عنده، جاز ذلك، كما يجوز عندئذٍ لمن أصابته القرعة أن يقبض الجائزة ويتصرّف فيها بَعد الاستئذان في ذلك من الحاكم الشرعيّ إذا كان البنك حكوميّاً أو مشتركاً في بلد إسلاميّ، وإذا كان أهليّاً جاز قبض الجائزة والتصرّف فيها بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعيّ، وأمّا إذا كان قيام البنك بعمليّة القرعة ودفع الجائزة بعنوان الوفاء بالشرط الذي اشترطه عليه عُمَلاؤه في ضمن عقد القرض أو نحوه فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز لمن أصابته القرعة أخذها بعنوان الوفاء بذلك الشرط، ويجوز بدونه.

• (10) تحصيل الكَمْبِيالات
من الخدمات التي يقوم بها البنك: تحصيل قيمة الكِمْبيالة لحساب عميله، فإنّه قبل تاريخ استحقاقها يُخطر المدين (موقّع الكمبيالة) ويشرح في إخطاره قيمتها ورقمها وتاريخ استحقاقها ليكون على علم ويتهيّأ للدفع، وبعد التحصيل يقيّد القيمة في حساب العميل أو يدفعها إليه نقداً، ويأخذ منه عُمُولة إزاء هذه الخدمة، ومن هذا القبيل قيام البنك بتحصيل قيمة الصَّكّ لحامله من بلده أو من بلد آخر، كما إذا لم ‏يرغب الحامل تسلّم القيمة بنفسه من الجهة المُحال عليها، فيأخذ البنك منه عُمُولة إزاء قيامه بهذا العمل.
مسألة 25: تحصيل قيمة الكمبيالات وأخذ العمولة على ذلك يقع على أنحاء:
1. أن يقدّم المستفيد كمبيالة إلى البنك غير مُحوَّلة عليه ويطلب من البنك تحصيل قيمتها إزاء عمولة معيّنة، والظاهر جواز هذه الخدمة وأخذ العمولة بإزائها، ولكن بشرط أن يقتصر عمل البنك على تحصيل قيمة الكمبيالة فقط، وأمّا تحصيل فوائدها الربويّة فهو غير جائز، ويمكن تخريج العمولة فقهيّاً بأنّها جعالة من الدائن للبنك على تحصيل دينه.
2. أن يقدّم المستفيد كمبيالة إلى البنك محوّلة عليه، ولكن لم يكن مديناً لموقّعها، أو كان مديناً له بعملة أُخرى غير ما أحال بها عليه، وحينئذٍ يجوز للبنك أخذ عمولة إزاء قبوله هذه الحوالة - بالشرط المتقدّم في سابقه - لأنّ القبول غير واجب على البريء وكذا على المدين بغير جنس الحوالة، فحينئذٍ لا بأس بأخذ شيء مقابل التنازل عن حقّه هذا.
3. أن يقدّم المستفيد كمبيالة إلى البنك مُحوَّلة عليه ممّن لديه رصيد ماليّ لدى البنك، وقد أشار فيها بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق، ليقوم البنك بخَصْم قيمتها من حسابه الجاري وىقيّدها في حساب المستفيد (الدائن) أو دفعها له نقداً، فمردّ ذلك إلى أنّ الموقّع أحال دائنه على البنك المدين له، فيكون ذلك من قبيل الحوالة على المدين، والمختار فيها - كما تقدّم - اعتبار قبول المحال عليه (وهو البنك هنا) فلا تكون الحوالة نافذة من دون قبوله، وعليه فيجوز له أخذ عمولة إزاء قيامه بقبول الحوالة وأداء دينه.

• (11) بيع العملات الأجنبيّة وشراؤها
من أعمال البنوك: القيام بشراء العُمَلات الأجنبيّة وبيعها، لغرض توفير القدر الكافي منها لسدّ حاجات عملائها، ولا سيّما التجّار المستوردين للبضائع من الخارج، وللحصول على الربح منه نتيجة الفرق بين أسعار الشراء والبيع.
مسألة 26: يصحّ بيع العملات الأجنبيّة وشراؤها بقيمتها السوقيّة، وبالأقلّ وبالأكثر، بلا فرق في ذلك بين كون البيع أو الشراء حالّاً أو مؤجّلاً، فإنّ البنك كما يقوم بعمليّة العقود الحالّة يقوم بعمليّة العقود المؤجّلة.

• (12) السحب على المكشوف
كلُّ من لديه رصيد لدى البنك في الحساب الجاري يحقّ له سحب أيّ مبلغ لا يزيد عن رصيده، نعم قد يسمح البنك له بسحب مبلغ معيّن من دون رصيد، نظراً لثقته به، ويسمّى ذلك بـ (السَّحب على المكشوف) ويحتسب البنك فائدة على هذا المبلغ.
مسألة 27: السحب على المكشوف مردّه إلى الاقتراض من البنك بشرط دفع الفائدة، فهو قرض ربويّ محرّم، وما يتقاضاه البنك من الفوائد على المبالغ المسحوبة تعدّ من الفوائد الربويّة المحرّمة، نعم إذا كان البنك حكوميّاً أو مشتركاً في بلد إسلاميّ فلا بأس بالسحب منه لا بقصد الاقتراض والرجوع إلى الحاكم الشرعيّ لتصحيح التصرّف في المال على نحو ما تقدّم في المسألة الثانية.

• (13) خَصْم الكمبيالات
تمهيدات:
الأوّل: يمتاز البيع عن القرض في أنّ البيع تمليك عين بعوض لا مجّاناً، والقرض تمليك للمال بالضمان في الذمّة بالمثل إذا كان مثليّاً وبالقيمة إذا كان قيميّاً (1).
كما يمتاز عنه في أنّ البيع الربويّ باطل من أصله، دون القرض الربويّ، فإنّه باطل بحسب الزيادة فقط، وأمّا أصل القرض فهو صحيح.
ويمتاز عنه أيضاً في أنّ كلّ زيادة في القرض إذا اشترطت تكون رباً ومحرّمة دون البيع، فإنّه تحرم فيه الزيادة مطلقاً في المكيل والموزون من العوضين المتّحدين جنساً، وأمّا لو اختلفا في الجنس، أو لم ‏يكونا من المكيل والموزون، فإن كانت المعاملة نقديّة، فلا تكون الزيادة رباً، وأمّا لو كانت المعاملة مؤجّلة كما لو باع مائة بيضة بمائة وعشر إلى شهر، أو باع عشرين كيلو من الأرز بأربعين كيلو من الحنطة إلى شهر، ففي عدم كون ذلك من الربا إشكال، فالأحوط لزوماً الاجتناب عنه.
الثاني: الأوراق النقديّة بما أنّها من المعدود يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً مع اختلافهما جنساً نقداً ونسيئة، وأمّا مع الاتّحاد في الجنس فيجوز التفاضل في البيع بها نقداً، وأمّا نسيئة فلا يخلو عن إشكال كما تقدّم والأحوط لزوماً التجنّب عنه، وعلى ذلك فيجوز للدائن عشرة دنانير عراقيّة مثلاً أن يبيع دينه بالأقلّ منها كتسعة دنانير نقداً، كما يجوز له بيعه بالأقلّ منها من عملة أُخرى كتسعة دنانير أُردنيّة نقداً، ولا يجوز ذلك نسيئة لأنّه لا يجوز بيع ما ىكون دىناً قبل العقد بما ىكون دىناً بالعقد مؤجّلاً.
الثالث: الكمبيالات المتداولة بين التجّار في الأسواق لم ‏تعتبر لها ماليّة كالأوراق النقديّة، بل هي مجرّد وثيقة لإثبات أنّ المبلغ الذي تتضمّنه دين في ذمّة موقّعها لمن كتبت باسمه، فالمعاملات الجارية عليها لا تجري على أنفسها، بل على النقود التي تعبّر عنها، وأيضاً عندما يدفع المشتري كمبيالة للبائع لا يدفع بذلك ثمن البضاعة إليه ولا تفرغ ذمّته منه، ولذا لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لا يتلف منه مال بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقديّة وتلفت عنده أو ضاعت.
مسألة 28: الكمبيالات على نوعين:
أ. ما يعبّر عن وجود قرض واقعيّ، بأن يكون موقّع الكمبيالة مديناً لمن كتبت باسمه بالمبلغ الذي تتضمّنه.
ب. ما يعبّر عن وجود قرض صوريّ لا واقع له.
أمّا في الأوّل: فيجوز للدائن أن يبيع دينه المؤجّل الثابت في ذمّة المدين بأقلّ منه حالّاً، كما لو كان دينه مائة دينار فباعه بثمانية وتسعين ديناراً نقداً وبعد ذلك يقوم البنك أو غيره بمطالبة المدين (موقّع الكمبيالة) بقيمتها عند الاستحقاق.
وأمّا في الثاني: فلا يجوز للدائن الصوريّ بيع ما تتضمّنه الكمبيالة، لانتفاء الدين واقعاً وعدم اشتغال ذمّة الموقِّع للموقَّع له (المستفيد) بل إنّما كتبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب ولذا سمّيت (كمبيالة مجاملة).
ومع ذلك يمكن تصحيح خصمها بنحو آخر، بأن يوكّل موقّع الكمبيالة المستفيد في بيع قيمتها في ذمّته على البنك - مثلاً - بأقلّ منها نقداً، مراعياً الاختلاف بين العوضين في الجنس، كأن تكون قيمتها خمسين ديناراً عراقيّاً والثمن ألف تومان إيرانيّ مثلاً، وبعد هذه المعاملة تصبح ذمّة موقّع الكمبيالة مشغولة للبنك بخمسين ديناراً عراقيّاً إزاء ألف تومان إيرانيّ، ويوكّل الموقّع أيضاً المستفيد في بيع الثمن - وهو ألف تومان - على نفسه بما يعادل المثمن وهو خمسون ديناراً عراقيّاً، وبذلك تصبح ذمّة المستفيد مدينة للموقّع بمبلغ يساوي ما كانت ذمّة الموقّع مدينة به للبنك.
ولكن هذا الطريق قليل الفائدة، حيث إنّه إنّما يفيد فيما إذا كان الخصم بعملة أجنبيّة، وأمّا إذا كان بعملة محلّيّة فلا أثر له، إذ لا يمكن تنزيله على البيع عندئذٍ على ما عرفت من الإشكال في بيع المعدود مع التفاضل نسيئة، وأمّا خصم قيمة الكمبيالة الصوريّة لدى البنك على نحو القرض، بأن يقترض المستفيد من البنك مبلغاً أقلّ من قيمة الكمبيالة الاسميّة، ثُمَّ يحوّل البنك الدائن على موقّعها بتمام قيمتها، ليكون من الحوالة على البريء، فهذا رباً محرّم، لأنّ اشتراط البنك في عمليّة الاقتراض (الخصم) اقتطاع شيء من قيمة الكمبيالة إنّما هو من قبيل اشتراط الزيادة المحرّم شرعاً ولو لم‏ تكن الزيادة بإزاء المدّة الباقية بل بإزاء قيام البنك ببعض الأعمال كتسجيل الدين وتحصيله ونحوهما، لأنّه لا يحقّ للمقرض أن يشترط على المقترض أيّ نحو من أنحاء النفع الملحوظ فيه المال.
هذا إذا كان البنك أهليّاً، وأمّا لو كان حكوميّاً أو مشتركاً في بلد إسلاميّ فيمكن التخلّص من ذلك بأن لا يقصد المستفيد في عمليّة الخصم لديه شيئاً من البيع والاقتراض، بل يقصد الحصول على ذلك المال فيقبضه ويتصرّف فيه بإذن الحاكم الشرعيّ، فإذا رجع البنك في نهاية المدّة إلى موقّع الكمبيالة وألزمه بدفع قيمتها، جاز له الرجوع على المستفيد ببدل ما دفع إذا كان قد وقّع الكمبيالة بأمر وطلب منه.

• (14) العمل لدى البنوك
تصنّف أعمال البنوك صنفين:
أحدهما: محرّم، وهو الأعمال التي لها صلة بالمعاملات الربويّة كالتوكيل في إجرائها، وتسجيلها، والشهادة عليها، وقبض الزيادة لآخذها، ونحو ذلك ومثلها الأعمال المرتبطة بمعاملات الشركات التي تتعامل بالربا أو تتاجر بالخمور، كبيع أسهمها وفتح الاعتماد لها وما يشبههما.
وهذه كلّها محرّمة لا يجوز الدخول فيها، ولا يستحقّ العامل أُجرة إزاء تلك الأعمال.
ثانيهما: سائغ، وهي غير ما ذكر، فيجوز الدخول فيها وأخذ الأجرة عليها.
مسألة 29: إذا كان دافع الزيادة في المعاملة الربويّة غير مسلم - سواء كان هو البنك الأجنبيّ أو غيره - فقد تقدّم أنّه يجوز حينئذٍ أخذها للمسلم، وعلى ذلك يجوز الدخول في الأعمال التي ترتبط بإجراء مثل هذه المعاملة الربويّة في البنوك وخارجها.
مسألة 30: الأموال الموجودة لدى البنوك الحكوميّة والمشتركة في البلاد الإسلاميّة لمّا كانت تعدّ بمنزلة المال المجهول مالكه - الذي يحرم التصرّف فيه من غير مراجعة الحاكم الشرعيّ - لم ‏يجز العمل لدى هذه البنوك في قبض الأموال وتسليمها إلى المتعاملين مع البنك ممّن يتصرّفون فيها من غير إذن الحاكم الشرعيّ، نعم إذا أذِنَ الحاكم الشرعيّ العمل لدى هذه البنوك في المجال المذكور جاز .
مسألة 31: الجعالة والإجارة والحوالة ونحوها من المعاملات المشروعة الجارية مع البنوك الحكوميّة في الدول الإسلاميّة تتوقّف صحّتها على إجازة الحاكم الشرعيّ، فلا تصحّ من دون إجازته، وهكذا المعاملات الجارية مع البنوك المشتركة بين الحكومة والأهالي فيما يخصّ سهم الحكومة فيها فإنّ صحّتها تتوقّف على إجازة الحاكم الشرعيّ أيضاً، وقد أذِنّا للمؤمنين فيها جميعاً مع استجماعها للشروط المعتبرة عندنا في صحّتها.

• (15) عقد التأمين
التأمين عقد يلتزم المؤمَّن له بمقتضاه أن يدفع مبلغاً معيّناً - شهريّاً، أو سنويّاً، أو دفعة واحدة - إلى المؤمِّن في مقابل تعهّد المؤمِّن أن يؤدّي إلى المؤمَّن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال، أو إيراداً مرتّباً، أو أيّ عوض ماليّ آخر، في حالة وقوع حادث أو ضرر مبيّن في العقد.
مسألة 32: التأمين على أقسام:
منها: التأمين على الأشخاص من خطر الوفاة أو بعض الطوارئ الأُخرى كالمرض ونحوه.
ومنها: التأمين على الأموال كالسيّارات والطائرات والسفن ونحوها من خطر الحريق أو الغرق أو السرقة أو ما شاكلها.
وهناك تقسيمات أُخرى للتأمين لا يختلف الحكم الشرعيّ بالنظر إليها فلا داعي لذكرها.
مسألة 33: يشتمل عقد التأمين على أركان:
1 و2. الإيجاب والقبول من المؤمِّن والمؤمَّن له، ويكفي فيهما كلّ ما يدلّ عليهما من لفظ أو كتابة أو غيرهما.
3. تعيين المؤمَّن عليه، شخصاً كان أو مالاً.
4. تعيين مدّة عقد التأمين بداية ونهاية.
مسألة 34: يعتبر في التأمين تعيين الخطر الموجب للضرر، كالغرق والحرق والسرقة والمرض والموت ونحوها، وكذا يعتبر فيه تعيين أقساط التأمين السنويّة أو الشهريّة لو كان الدفع أقساطاً.
مسألة 35: يشترط في طرفي عقد التأمين: البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر لِسَفَه أو فَلَس، فلا يصحّ من الصغير والمجنون والهازل والمكره والمحجور عليه.
مسألة 36: عقد التأمين من العقود اللازمة، ولا ينفسخ إلّا برضا الطرفين، نعم إذا اشترط في ضمن العقد استحقاق المؤمَّن له أو المؤمِّن أو كليهما للفسخ جاز الفسخ حسب الشرط.
مسألة 37: إذا تخلّف المؤمِّــن عن العمــل بتعهّده، كـــان للمؤمَّن له إلزامــه بذلك - ولو بالتوسّل إلى الحاكم الشرعيّ أو غيره - وله الخيار في فسخ العقد واسترجاع مبلغ التأمين.
مسألة 38: إذا تقرّر في عقد التأمين قيام المؤمَّن له بدفع مبلغ التأمين أقساطاً، فتخلّف عن تسديد قسط - كمّاً أو كيفاً - لم ‏يجب على المؤمِّن القيام بدفع المبالغ التي تعهّد بدفعها عند وقوع الضرر المعيّن، كما لا يحقّ للمؤمَّن له استرجاع ما سدّده من أقساط التأمين.
مسألة 39: لا تعتبر في صحّة عقد التأمين مدّة خاصّة، بل هي تابعة لِما يتّفق عليه الطرفان: المؤمِّن والمؤمَّن له.
مسألة 40: إذا اتّفق جماعة على تأسيس شركة يتكوّن رأس مالها من الأموال المشتركة بينهم، واشترط كلّ منهم على الآخرين في ضمن عقد الشركة أنّه على تقدير حدوث حادثة - حُدّد نوعها في ضمن الشرط - على نفسه أو ماله - من داره أو سيّارته أو نحو ذلك - أن تقوم الشركة بتدارك خسارته في تلك الحادثة من رأس مال الشركة أو أرباحها، وجب العمل بالشرط ما دام العقد باقياً.

• (16) السرقفليّة – الخُلُوّ
من المعاملات الشائعة بين التجّار والكسبة ما يسمّى بـ (السرقفليّة) ويراد بها تنازل المستأجر عمّا تحت تصرّفه بإيجار المحلّ الذي يشغله لآخر إزاء مقدار من المال يتّفق عليه الطرفان، وتطلق أيضاً على تنازل المالك للمستأجر عن حقّه في إخراجه من المحلّ أو زيادة بدل الإيجار بعد نهاية مدّة الإجارة إزاء مقدار من المال يتّفقان بشأنه.
مسألة 41: استئجار الأعيان المستأجرة كمحلّات الكسب والتجارة لا يُحدث حقّاً للمستأجر فيها بحيث يمكنه إلزام المؤجر عدم إخراجه منها وتجديد إيجارها منه بمقدار بدل إيجارها السابق بعد نهاية الإجارة، وكذا طول إقامة المستأجر في المحلّ، ووجاهته في مكسبه الموجبة لتعزيز الموقع التجاريّ للمحلّ، لا يوجب شيء من ذلك حقّاً له في البقاء، بل إذا تمّت مدّة الإجارة يجب عليه تخلية المحلّ وتسليمه إلى صاحبه.
وإذا استغلّ المستأجر القانون الحكوميّ الذي يقضي بمنع المالك عن إجبار المستأجر على التخلية أو عن الزيادة في بدل الإيجار، فامتنع عن دفع الزيادة أو التخلية فعمله هذا محرّم، ويكون تصرّفه في المحلّ بدون رضا المالك غصباً، وكذا ما يأخذه من المال إزاء تخليته حراماً.
مسألة 42: إذا آجر المالك محلّه من شخص سنة بمائة دينار مثلاً، وقبض إضافة على ذلك مبلغ خمسمائة دينار مثلاً إزاء اشتراطه على نفسه في ضمن العقد أن يجدّد الإيجار لهذا المستأجر - أو لمن يتنازل له - بدون زيادة أو بزيادة متعارفة، وإذا أراد المستأجر الثاني التنازل عن المحلّ لثالث أن يعامله بمثل ذلك وهكذا، صحّ هذا الاشتراط وحينئذٍ يجوز للمستأجر أن يأخذ إزاء تنازله عن حقّه مبلغاً يساوي ما دفعه إلى المالك نقداً أو أكثر أو أقلّ حسب ما يتّفقان عليه.
مسألة 43: إذا آجر المالك محلّه من شخص مدّة معلومة وشرط على نفسه - إزاء مبلغ من المال أو بدونه - في ضمن العقد أن يجدّد إيجاره له سنويّاً بعد نهاية المدّة بالصورة التي وقع عليها في السنة الأُولى أو على النحو المتعارف في كلّ سنة، فاتّفق أنّ شخصاً دفع مبلغاً للمستأجر إزاء تنازله عن المحلّ وتخليته فقط - حيث لا يكون له إلّا حقّ البقاء وللمالك الحرّيّة في إيجار المحلّ بعد خروجه كيف ما شاء - فعندئذٍ يجوز للمستأجر أخذ المبلغ المتّفق عليه، وتكون السرقفليّة بإزاء التخلية فحسب، لا بإزاء انتقال حقّ التصرّف منه إلى دافعها.
مسألة 44: يجب على المالك الوفاء بما اشترطه على نفسه في ضمن عقد الإجارة، فيجب عليه في مفروض المسألة (¬42¬) أن يؤجر المحلّ للمستأجر أو لمن يتنازل له عنه بدون زيادة أو بزيادة متعارفة عليه حسب ما اشترط على نفسه كما يجب عليه في مفروض المسألة (43) أن يجدّد الإيجار للمستأجر ما دام يرغب في البقاء في المحلّ بمقدار بدل الإيجار السابق أو بما هو بدل إيجاره المتعارف حسبما هو مقرّر في الشرط.
وإذا تخلّف المالك عن الوفاء بشرطه وامتنع عن تجديد الإيجار فللمشروط له إجباره على ذلك ولو بالتوسّل بالحاكم الشرعيّ أو غيره، ولكن إذا لم ‏يتيسّر إجباره - لأيّ سبب كان - فلا يجوز له التصرّف في المحلّ من دون رضا المالك.
مسألة 45: إذا جعل الشرط في عقد الإجارة في مفروض المسألتين (42 - 43) على نحو شرط النتيجة - لا على نحو شرط الفعل، أي اشتراط تجديد الإجارة كما فرضناه - بأن اشترط المستأجر على المؤجر أن يكون له أو لمن يعيّنه مباشرة أو بواسطة حقّ الاستفادة من المحلّ إزاء مبلغ معيّن سنويّاً، أو بالقيمة المتعارفة في كلّ سنة، فحينئذٍ يكون للمستأجر - أو لمن يعيّنه - حقّ الاستفادة من المحلّ ولو من دون رضا المالك، ولا يحقّ للمالك أن يطالب بشيء سوى المبلغ الذي اتّفقا عليه إزاء الحقّ المذكور .

• (17) مسائل في قاعدة الإقرار والمقاصّة النوعيّة
هناك مسائل تتعلّق بأحكام العقود والإيقاعات والحقوق تختلف فيها آراء علماء الإماميّة عن آراء غيرهم من أرباب المذاهب الإسلاميّة - كُلّاً أو بعضاً - فيُسأل عن كيفيّة تعامل الإماميّ مع غيره في موارد تلك المسائل.
وقد تعارف لدى فقهائنا المتأخّرين (رضوان الله تعالى عليهم) تخريج هذه المسائل على قاعدة الإلزام، أي إلزام غير الإماميّ بأحكام نحلته.
ولكن حيث إنّ هذه القاعدة لم‏ تثبت عندنا بطريق معتبر، فلا بُدَّ من تطبيق تلك المسائل على القواعد البديلة لقاعدة الإلزام، كقاعدة المقاصّة النوعيّة (خُذُوا منهم كما يأخُذُون منكم في سُنَنِهم وقضاياهم) وقاعدة الإقرار (أيْ إقرار غير الإماميّ على مذهبه ومعاملته بموجب أحكامه).
مسألة 46: يصحّ لدى الإماميّة النكاح من غير إشهاد، ولكنّ العامّة اختلفوا في ذلك، فمنهم من وافق الإماميّة في ذلك، ومنهم من ذهب إلى فساد النكاح بدون الإشهاد، وهم الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة، ومنهم من ذهب إلى فساده بدون الإعلان وهم المالكيّة، ولكنّ القائلين بفساده على طائفتين:
فمنهم: من يرى في الأنكحة التي اختلف الفقهاء في صحّتها وفسادها - كالعقد المذكور - أنّه ليس لأحد أن يتزوّج المرأة قبل أن يطلّقها المعقود له أو يفسخ نكاحها، وهؤلاء هم المالكيّة وأكثر الحنابلة، فإذا كان الزوج من هؤلاء لم ‏يمكن الزواج بالمرأة قبل أن يطلّقها أو يفسخ نكاحها.
ومنهم: من يرى في الأنكحة المختلف فيها أنّه يجوز الزواج من المرأة من غير حاجة إلى فسخ أو طلاق، وهؤلاء هم الشافعيّة والحنفيّة.
فمتى كان الزوج منهم جاز الزواج بالمرأة بعد انقضاء عدّتها - إذا كانت ممّن تجب عليها العدّة عندهم - إقراراً للزوج على مذهبه، وكذا يجوز للمرأة إذا كانت إماميّة أن تتزوّج بعد انقضاء عدّتها على تقدير وجوب الــعدّة عليها عندهــم، ولكــنّ الأولى - في الصورتين - خروجاً عن الشبهة ومراعاةً للاحتياط التوصّل إلى طلاقها ولو من قبل الحاكم الشرعيّ إذا كان الزوج ممتنعاً منه.
مسألة 47: لا يجوز عند العامّة الجمع بين العمّة وبنت أخيها، أو بين الخالة وبنت أُختها، بمعنى أنّه يبطل كلا العقدين إذا تقارنا في الوقوع، كما يبطل المتأخّر منهما متى سبق أحدهما الآخر .
وأمّا عند الإماميّة فيجوز عقد العمّة على بنت أخيها والخالة على بنت أُختها مطلقاً، كما يجوز عقد بنت الأخ على العمّة وبنت الأُخت على الخالة مشروطاً بسبق العقد أو لحوقه برضا العمّة أو الخالة، وعليه فإذا جمع العامّيّ بين العمّة وبنت أخيها أو الخالة وبنت أُختها في النكاح جاز للإماميّ أن يعقد على أيٍّ منهما مع تقارن العقدين، بل على كليهما مع رضا العمّة أو الخالة، كما ىجوز له مع عدم التقارن أن ىعقد على المعقودة بالعقد المتأخّر ولو كانت هي بنت الأخ أو الأخت وكان عقدها مع رضا العمّة أو الخالة، وهكذا الحال بالنسبة إلى كلّ واحدة منهما إذا كانت إماميّة.
مسألة 48: فلا تجب العدّة على المطلّقة اليائسة والصغيرة على مذهب الإماميّة ولو مع الدخول بهما، ولكن تجب على مذهب العامّة على خلاف بينهم في شروط ثبوتها على الصغيرة، فإذا كان الزوج عامّيّاً فطلّق زوجته الصغيرة أو اليائسة وكان مذهبه ثبوت العدّة عليها أُقرّ على ما يراه في مذهبه من أحكامها كفساد العقد على أُختها خلال فترة العدّة، وكذا سائر من يحرم عندهم نكاحها جمعاً، والأحوط لزوماً للإماميّ أن لا ¬يتزوّجها قبل انقضاء عدّتها، وأن لا ¬تتزوّج هي قبل ذلك إن كانت إماميّة أو صارت كذلك، كما أنّ الأحوط لزوماً لها أن لا تأخذ نفقة أيّام العدّة من الزوج وإن فرض ثبوت النفقة لها على مذهبه إلّا تطبيقاً لقاعدة المقاصّة النوعيّة مع توفّر شروطها.
مسألة 49: تشترط في صحّة الطلاق عند الإماميّة جملة من الشروط التي لا تشترط عند سائر المذاهب الإسلاميّة - كُلّاً أو بعضاً - فإذا طلّق غير الإماميّ زوجته بطلاق صحيح على مذهبه وفاسد حسب مذهبنا، جاز للإماميّ - إقراراً له على مذهبه - أن يتزوّج مطلّقته بعد انقضاء عدّتها إذا كانت ممّن تجب عليها العدّة في مذهبه، كما يجوز للمطلّقة إذا كانت من الإماميّة أن تتزوّج من غيره كذلك.
وفيما يلي بعض الشروط التي تعتبر في صحّة الطلاق عند الإماميّة ولا تعتبر عند غيرهم - كُلّاً أو بعضاً -.
1. أن يكون الطلاق في طهر غير طهر المواقعة.
2. أن يكون منجّزاً غير معلّق على شيء.
3. أن يكون باللفظ دون الكتابة.
4. أن يكون عن اختيار لا عن إكراه.
5. أن يكون بحضور شاهدين عدلين.
مسألة 50: يثبت خيار الرؤية - على مذهب الشافعيّ - لمن اشترى شيئاً بالوصف ثُمَّ رآه وإن كان المبيع حاوياً للوصف المذكور، ولا يثبت الخيار على مذهب الإماميّة في هذا المورد، فإذا كان المذهب الشافعيّ نافذاً على الإماميّة، بحيث كان المشتري الشافعيّ يأخذ البائع الإماميّ بالخيار في هذه الحالة، فللمشتري الإماميّ أن يقابل بالمثل فيأخذ البائع الشافعيّ بالخيار في هذه الصورة عملاً بقاعدة المقاصّة النوعيّة.
مسألة 51: ذهب أبوحنيفة والشافعيّ إلى عدم ثبوت الخيار للمغبون، ومذهبنا ثبوته له، والظاهر أنّ محلّ الكلام في الثبوت وعدمه لا يشمل ما إذا كان بناء المغبون على عدم الاكتراث بالقيمة وشراء البضاعة أو بيعها بأيّ ثمن كان، فإنّ الظاهر عدم ثبوت الخيار له حينئذٍ، وكذا لا يشمل ما إذا كان بناء المتعاملين على حصول النقل والانتقال بالقيمة السوقيّة لا أزيد، واعتمد المغبون على قول الغابن في عدم الزيادة، فإنّ الظاهر ثبوت الخيار له هنا عند الجميع من جهة الغرور، وكذا لا يشمل ما إذا كان الثابت بحسب الشرط الارتكازيّ في العرف الخاصّ حقّاً آخر غير حقّ الفسخ كحقّ المطالبة بما به التفاوت.
وعلى أيّ حال، ففي كلّ مورد كان المذهب الإماميّ ثبوت خيار الغبن ومذهب العامّيّ عدم ثبوته، يجوز للإماميّ - أخذاً بقاعدة المقاصّة النوعيّة - أن يلزم العامّيّ بعدم ثبوت الخيار له، وذلك حيث يكون المذهب العامّيّ هو القانون النافذ على الجميع بحيث يلزم به الإماميّ أيضاً.
مسألة 52: يشترط عند الحنفيّة في صحّة عقد السَّلَم أن‏ يكون المُسْلَم فيه موجوداً حال العقد، ولا يشترط ذلك لدى الإماميّة، فإذا كان المذهب الحنفيّ نافذاً على الإماميّة بحيث كان المشتري الحنفيّ يلزم البائع الإماميّ ببطلان هذا العقد، جاز للمشتري الإماميّ أن يلزم البائع الحنفيّ بالبطلان في مثله بمقتضى قاعدة المقاصّة النوعيّة، وهكذا الحال لو صار المشتري إماميّاً بعد ذلك.
مسألة 53: ذهب العامّة إلى أنّ ما فضل عن السهام المفروضة يرثه عصبة الميّت - كالأخ - وعدم ردّه على ذوي السهام أنفسهم، وذهب الإماميّة إلى خلاف ذلك، فمثلاً لو مات الشخص وخلّف أخاً وبنتاً فقد ذهب الإماميّة إلى إعطاء البنت نصف تركته فرضاً والنصف الآخر ردّاً، وعدم إعطاء الأخ شيئاً، وأمّا العامّة فقد ذهبوا إلى إعطاء النصف الثاني للأخ، لأنّه من عصبة الميّت.
فإذا كان المذهب العامّيّ نافذاً على الوارث الإماميّ بحيث لا يردّ إليه الفاضل على سهمه، فللعصبة إذا كانوا من الإماميّة أخذ الفاضل على سهم الوارث العامّيّ منه بمقتضى قاعدة المقاصّة النوعيّة.
مسألة 54: ترث الزوجة على مذهب العامّة من جميع تركة الميّت من المنقول وغيره والأراضي وغيرها، ولا ترث على المذهب الإماميّ من الأرض لا عيناً ولا قيمة، وترث من الأبنية والأشجار قيمة لا عيناً.
وعلى ذلك فلو كان المذهب العامّيّ نافذاً على الشيعة بحيث تورّث الزوجة العامّيّة من الأرض ومن عين الأبنية والأشجار إذا كان بقيّة الورثة من الإماميّة، فللزوجة الإماميّة أيضاً أن تأخذ ما يصل إليها ميراثاً من الأراضي وأعيان الأبنية والأشجار حيث يكون سائر الورثة من العامّة.

• (18) أحكام التشريح
مسألة 55: لا يجوز تشريح بدن الميّت المسلم، فلو فعل ذلك لزمته الدية على تفصيل مذكور في كتاب الديات.
مسألة 56: يجوز تشريح بدن الميّت الكافر بأقسامه إذا لم ‏يكن محقون الدم في حال حياته، وإلّا - كما لو كان ذمّيّاً - فالأحوط لزوماً الاجتناب عن تشريح بدنه، نعم إذا كان ذلك جائزاً في شريعته - مطلقاً أو مع إذنه في حال الحياة، أو إذن وليّه بعد الوفاة - فلا بأس به حينئذٍ، وأمّا المشكوك كونه محقون الدم في حال الحياة فيجوز تشريح بدنه إذا لم‏ تكن أمارة على كونه كذلك.
مسألة 57: لو توقّف حفظ حياة مسلم على التشريح ولم ‏يمكن تشريح الكافر غير محقون الدم أو مشكوك الحال جاز تشريح غيره من الكفّار، وإن لم يمكن ذلك أيضاً جاز تشريح المسلم، ولا يجوز تشريح المسلم لغرض التعلّم ونحوه ما لم ‏تتوقّف عليه إنقاذ حياة مسلم أو من بحكمه ولو في المستقبل.

• (19) أحكام الترقيع
مسألة 58: إذا توقّف حفظ حياة المسلم على قطع عضو من أعضاء الميّت المسلم - كالقلب والكلْيَة - لإلحاقه ببدنه جاز القطع، ولكن تثبت الدية على القاطع على الأحوط لزوماً، وإذا أُلحق ببدن الحيّ ترتّبت عليه بعد الإلحاق أحكام بدن الحيّ، نظراً إلى أنّه أصبح جزءاً منه.
مسألة 59: لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميّت المسلم لإلحاقه ببدن الحيّ فيما إذا لم ‏تتوقّف عليه حياته وإن كان في حاجة ماسّة إليه كما في العين ونحوها من الأعضاء، ولو قطع فعلى القاطع الدية، ويجب دفن المقطوع ولا يجوز إلحاقه ببدن الحيّ، ولكن إذا تمّ الإلحاق وحلّت فيه الحياة لم ‏يجب قطعه بعد ذلك.
مسألة 60: إذا أوصى بقطع بعض أعضائه بعد وفاته ليُلحق ببدن الحيّ من غير أن تتــوقّـــف حيــاة الحــيّ على ذلــك، ففي نفــوذ وصيّتــه وجواز القطــع حينئــذٍ إشكال - وإن لم ‏تجب الدية على القاطع - فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط في ذلك.
مسألة 61: المقصود بالميّت في الموارد المتقدّمة هو من توقّفت رئتاه وقلبه عن العمل توقّفاً نهائيّاً لا رجعة فيه، وأمّا الميّت دماغيّاً مع استمرار رئتيه وقلبه في وظائفهما وإن كان ذلك عن طريق تركيب أجهزة الإنعاش الصناعيّة فلا يُعدُّ ميّتاً، ويحرم قطع عضو منه لإلحاقه ببدن الحيّ مطلقاً.
مسألة 62: لا يجوز قطع جزء من إنسان حيّ لإلحاقه بجسم غيره إذا كان قطعُه يُلحِقُ به ضرراً بليغاً كما في قلع العين وقطع اليد وما شاكلها، وأمّا إذا لم ‏يُلحِق به الضرر البليغ - كما في قطع قطعة من الجلد أو جزء من النخاع أو إحدى الكلْيتين لمن لديه كلية أُخرى سليمة - فلا بأس به مع رضا صاحبه إذا لم ‏يكن قاصراً لصغر أو جنون وإلّا لم ‏يجز مطلقاً، وكما يجوز القطع في الصورة المذكورة يجوز أخذ المال بازاء الجزء المقطوع.
مسألة 63: يجوز التبرّع بالدم للمرضى المحتاجين إليه كما يجوز أخذ العوض عليه.
مسألة 64: يجوز قطع عضو من بدن الميّت الكافر غير محقون الدم أو مشكوك الحال لإلحاقه ببدن المسلم وتترتّب عليه بعد الإلحاق وحلول الحياة فيه أحكام بدن المسلم لصيرورته جزءاً منه، ويجوز أيضاً إلحاق بعض أعضاء الحيوان - كقلبه - ببدن المسلم وإن كان الحيوان نجس العين كالخنزير ويُصبحُ بعد الإلحاق وحلول الحياة فيه جزءاً من بدن المسلم وتلحقه أحكامه.

• (20) أحكام التلقيح الصناعيّ
مسألة 65: لا يجوز تلقيح المرأة بمنيّ غير الزوج سواء أكانت ذات زوج أم لا، ورضي الزوج والزوجة بذلك أم لا، كان التلقيح بواسطة الزوج أم غيره.
مسألة 66: لو تمَّ تلقيح المرأة بمنيّ غير الزوج فحملت منه ثُمَّ ولدت، فإن حدث ذلك اشتباهاً - كما لو أُريد تلقيحها بمنيّ زوجها فاشتبه بغيره - فلا إشكال في انتسابه إلى صاحب المنيّ، فإنّه نظير الوطء بشبهة.
وأمّا إن حدث ذلك مع العلم والعمد فلا يبعد انتسابه إليه أيضاً وثبوت جميع أحكام الأبوّة والبنوّة بينهما حتّى الإرث، لأنّ المستثنى من الإرث هو الولد عن زنى، وهذا ليس كذلك وإن كان العمل الموجب لحصول الحمل به محرّماً.
وهكذا الحال في انتسابه إلى أُمّه فإنّه ينتسب إليها حتّى في الصورة الثانية ولا فرق بينه وبين سائر أولادها أصلاً، ومن قبيل هذه الصورة ما لو ألقت المرأة منيّ زوجها في فرج امرأة أُخرى بالمساحقة أو نحوها فحملت ثُمَّ ولدت فإنّه ينتسب إلى صاحب النطفة وإلى التي حملته وإن كان العمل المذكور محرّماً.
مسألة 67: لو أُخذت بُوَيْضَة المرأة وحُوَيْمِن الرجل فلُقِّحت به ووضعت في رحم صناعيّة أو نحوها، وفرض أنّه تيسّر تنميتُها فيها حتّى تكوّن إنسان بذلك فالظاهر أنّه ينتسب إلى صاحب الحويمن وصاحبة البويضة، ويثبت بينه وبينهما جميع أحكام النسب حتّى الإرث، نعم لا يرث ممّن مات منهما قبل التلقيح.
مسألة 68: لو نقلت بويضة المرأة الملقّحة بحويمن الرجل إلى رحم امرأة أُخرى فنشأ فيها وتولّد ففي انتسابه إلى صاحبة البويضة أو إلى صاحبة الرحم إشكال فلا يترك مراعاة الاحتياط فيما يتعلّق بذلك من أحكام الأُمومة والبنوّة، نعم لا يبعد ثبوت المَحرميّة بينه وبين صاحبة الرحم وإن لم ‏يحكم بانتسابه إليها.
مسألة 69: يجوز تلقيح المرأة صناعيّاً بمنيّ زوجها ما دام حيّاً ولا يجوز ذلك بعد وفاته - على الأحوط لزوماً - وحكم الولد المولود بهذه الطريقة حكم سائر أولادهما بلا فرق أصلاً إلّا إذا كان التلقيح بعد وفاة الزوج فإنّه لا يرث منه في هذه الصورة وإن كان منتسباً إليه، ثُمَّ إنّه لا يجوز أن يكون المباشر لعمليّة التلقيح الصناعيّ غير الزوج إذا توقّفت على كشف المرأة عورتها للطبيبة - مثلاً - لتنظر إليها أو لتلمسها من غير حائل، نعم إذا لم يكن يتيسّر لها الحمل بغير ذلك وكان الصبر على عدم الإنجاب حرجيّاً عليها بحدٍّ لا يُتحمّل عادة جاز لها ذلك.

• (21) أحكام تحديد النسل
مسألة 70: يجوز للمرأة استعمال ما يمنع الحمل من العقاقير المُعدّة لذلك بشرط أن لا يُلحِق بها ضرراً بليغاً، ولا فرق في ذلك بين رضا الزوج به وعدمه ما لم ‏ينافِ شيئاً من حقوقه الشرعيّة.
مسألة 71: يجوز للمرأة استعمال اللَّوْلَب المانع من الحمل ونحوه من الموانع بالشرط المتقدّم، ولكن إذا توقّف وضعه في الرحم على أن يباشر ذلك غير الزوج كالطبيبة وتنظر أو تلمس من دون حائل ما يحرم كشفه لها اختياراً كالعورة لزم الاقتصار في ذلك على مورد الضرورة كما إذا كان الحمل مضرّاً بالمرأة أو موجباً لوقوعها في حرج شديد لا يتحمّل عادة ولم ‏يكن يتيسّر لها المنع منه ببعض طرقه الأُخرى أو كانت ضرريّة أو حرجيّة عليها كذلك.
هذا إذا لم ‏يثبت لها أنّ استعمال اللَّوْلَب يستتبع تلف البُوَيْضَة بعد تخصيبها، وإلّا فالأحوط لزوماً الاجتناب عنه مطلقاً.
مسألة 72: يجوز للمرأة أن تجري عمليّة جراحيّة لغلق القناة التناسليّة (النفير) وإن كان يؤدّي إلى قطع نسلها بحيث لا تحمل أبداً، ولكن إذا توقّف ذلك على كشف ما يحرم كشفه من بدنها للنظر إليه أو للمسه من غير حائل لم يجز لها الكشف إلّا في حال الضرورة حسب ما مرّ في المسألة السابقة، ولا يجوز للمرأة أن تجري عمليّة جراحيّة لقطع الرحم أو نزع المَبيضين ونحو ذلك ممّا يؤدّي إلى قطع نسلها ولكن يستلزم ضرراً بليغاً بها إلّا إذا اقتضته ضرورة مرضيّة، ونظير هذا الكلام كلّه يجري في الرجل أيضاً.
مسألة 73: لا يجوز إسقاط الحمل وإن كان بُوَيْضَة مخصّبة بالحُوَيْمِن إلّا فيما إذا خافت الأمّ الضرر على نفسها من استمرار وجوده أو كان موجباً لوقوعها في حرج شديد لا يُتحمّل عادة فإنّه يجوز لها عندئذٍ إسقاطه ما لم‏ تلجه الروح، وأمّا بعد ولوج الروح فيه فلا يجوز الإسقاط مطلقاً حتّى في حالة الضرر والحرج على الأحوط لزوماً.
وإذا أسقطت الأُمّ حملها وجبت عليها ديته لأبيه أو لغيره من ورثته وإن أسقطه الأب فعليه ديته لأُمّه، وإن أسقطه غيرهما - كالطبيبة - لزمته الدية لهما وإن كان الإسقاط بطلبهما، هذا إذا كان الحمل من حلال، وإن كان من الزنا من الطرفىن فتكون الدىة للإمام (علىه السلام).
ويكفي في دية الحمل بعد ولوج الروح فيه دفع (خمسة آلاف ومائتين وخمسين) مثقالاً من الفضّة إن كان ذكراً ونصف ذلك إن كان أُنثى سواء أكان موته بعد خروجه حيّاً أم في بطن أُمّه - على الأحوط لزوماً -.
ويكفي في ديته قبل ولوج الروح فيه دفع مائة وخمسة مثاقيل من الفضّة إن كان نطفة، ومائتين وعشرة مثاقيل إن كان علقة، وثلاثمائة وخمسة عشر مثقالاً إن كان مضغة، وأربعمائة وعشرين مثقالاً إن كان قد نبتت له العظام، وخمسمائة وخمسة وعشرين مثقالاً إن كان تامّ الأعضاء والجــوارح، ولا فــرق في ذلــك بين الذكــر والأُنثى - على الأحوط لزوماً -.
وكذلك يجب على مباشر الإسقاط الكفّارة وهي في الإسقاط عمداً الاستغفار بدلاً عن عتق الرقبة على الأحوط وجوباً وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستّين مسكيناً لكلّ مسكين مدّ من الطعام، وفي الإسقاط خطأً صوم شهرىن متتابعىن فإن لم¬ ىتمكّن فإطعام ستّىن مسكىناً كذلك، ولا فرق في وجوب الكفّارة بالإسقاط بىن ولوج الروح وعدمه على الأحوط لزوماً.
مسألة 74: يجوز للمرأة استعمال العقاقير التي تؤجّل الدورة الشهريّة عن وقتها لغرض إتمام بعض الواجبات - كالصيام ومناسك الحجّ أو لغير ذلك - بشرط أن لا يلحق بها ضرراً بليغاً، وإذا استعملت العقار فرأت دماً متقطّعاً لم ‏يكن لها أحكام الحيض وإن رأته في أيّام العادة.

• (22) أحكام الشوارع المفتوحة من قبل الدولة
مسألة 75: يجوز استطراق الشوارع والأَرْصِفة المستحدثة الواقعة على الدور والأملاك الشخصيّة للناس التي تستملكها الدولة وتجعلها طرقاً.
نعم من علم أنّ موضعاً خاصّاً منها قد قامت الدولة باستملاكه قهراً على صاحبه من دون إرضائه بتعويض أو ما بحكمه، جرى عليه حكم الأرض المغصوبة، فلا يجوز له التصرّف فيه حتّى بمثل الاستطراق إلّا مع استرضاء صاحبه أو وليّه - من الأب أو الجدّ أو القيّم المنصوب من قبل أحدهما - فإن لم يعلم صاحبه جرى عليه حكم المال المجهول مالكه، فيراجع بشأنه الحاكم الشرعيّ، ومنه يظهر حكم الفضلات الباقية منها، فإنّه لا يجوز التصرّف فيها إلّا بإذن أصحابها.
مسألة 76: يجوز العبور والمرور من أراضي المساجد الواقعة في الطرق، وكذا يجوز الجلوس فيها ونحوه من التصرّفات، وهكذا الحال في أراضي الحسينيّات والمقابر وما يشبههما من الأوقاف العامّة، وأمّا أراضي المدارس وما شاكلها ففي جواز التصرّف فيها بمثل ذلك لغير الموقوف عليهم إشكال، والأحوط لزوماً التجنّب عنه.
مسألة 77: المساجد الواقعة في الشوارع والأرصفة المستحدثة لا تخرج عرصتها عن الوقفيّة، ولكن لا تترتّب عليها الأحكام المترتّبة على عنوان المسجد الدائرة مداره وجوداً وعدماً، كحرمة تنجيسه، ووجوب إزالة النجاسة عنه، وعدم جواز مكث الجنب والحائض والنفساء فيه وما شاكل ذلك.
وأمّا الفضلات الباقية منها، فإن لم ‏تخرج عن عنوان المسجد ترتّبت عليها جميع أحكامه، وأمّا إذا خرجت عنه - كما إذا جعلها الظالم دكّاناً أو محلّاً أو داراً - فلا تترتّب عليها تلك الأحكام، ويجوز الانتفاع منها بجميع الانتفاعات المحلّلة الشرعيّة إلّا ما يعدّ منها تثبيتاً للغصب، فإنّه غير جائز .
مسألة 78: الأنقاض الباقية من المساجد بعد هدمها - كأحجارها وأخشابها - وآلاتها - كفرشها ووسائل إنارتها وتبريدها وتدفئتها - إذا كانت وقفاً عليها وجب صرفها في مسجد آخر، فإن لم ‏يمكن ذلك جعلت في المصالح العامّة، وإن لم يمكن الانتفاع بها إلّا ببيعها باعها المتولّي أو من بحكمه وصرف ثمنها على مسجد آخر .
وأمّا إذا كانت أنقاض المسجد ملكاً طِلْقاً له، كما لو كانت قد اشتريت من منافع العين الموقوفة على المسجد، فلا يجب صرف تلك الأنقاض بأنفسها على مسجد آخر، بل يجوز للمتولّي أو من بحكمه أن يبيعها إذا رأى المصلحة في ذلك، فيصرف ثمنها على مسجد آخر، وما ذكرناه من التفصيل يجري أيضاً في أنقاض المدارس والحسينيّات ونحوهما من الأوقاف العامّة الواقعة في الطرقات.
مسألة 79: مقابر المسلمين الواقعة في الطرق إن كانت من الأملاك الشخصيّة أو من الأوقاف العامّة فقد ظهر حكمها ممّا سبق، هذا إذا لم ‏يكن العبور والمرور عليها هتكاً لموتى المسلمين وإلّا فلا يجوز، وأمّا إذا لم‏ تكن ملكاً ولا وقفاً فلا بأس بالتصرّف فيها ما لم ‏يكن هتكاً، ومن ذلك يظهر حال الأراضي الباقية منها، فإنّها في الفرض الأوّل لا يجوز التصرّف فيها وشراؤها إلّا بإذن مالكها وفي الفرض الثاني لا يجوز ذلك إلّا بإذن المتولّي ومن بحكمه، فيصرف ثمنها في مقابر أُخرى للمسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب على الأحوط لزوماً، وفي الفرض الثالث يجوز ذلك من دون حاجة إلى إذن أحد، ما لم‏ يستلزم التصرّف في ملك الغير كآثار القبور المهدّمة.

• (23) المسائل المستحدثة في الصلاة والصيام
مسألة 80: لو سافر الصائم في شهر رمضان جوّاً بعد الغروب - ولم ‏يفطر في بلده - إلى جهة الغرب، فوصل إلى مكان لم‏ تغرب الشمس فيه بعد، لم يجب عليه الإمساك إلى الغروب وإن كان ذلك أحوط استحباباً.
مسألة 81: لو صلّى المكلّف صلاة الصبح في بلده، ثُمَّ سافر إلى جهة الغرب فوصل إلى بلد لم ‏يطلع فيه الفجر بعدُ، ثُمَّ طلع، أو صلّى صلاة الظهر في بلده، ثُمَّ سافر جوّاً فوصل إلى بلد لم‏ تزل الشمس فيه بعدُ، ثُمَّ زالت أو صلّى صلاة المغرب فيه، ثُمَّ سافر فوصل إلى بلد لم ‏تغرب الشمس فيه، ثُمَّ غربت لم‏ تجب عليه إعادة الصلاة في شيء من هذه الفروض وإن كانت الإعادة أحوط استحباباً.
مسألة 82: لو خرج وقت الصلاة في بلده - كأن طلعت الشمس أو غربت ولم ‏يصلِّ الصبح أو الظهرين - ثُمَّ سافر جوّاً فوصَلَ إلى بلد لم ‏تطلع الشمس فيه أو لم ‏تغرب بعدُ فالأحوط لزوماً أن يؤدّي الصلاة بقصد ما في الذمّة ولا ينوي خصوص الأداء أو القضاء.
مسألة 83: إذا سافر جوّاً بالطائرة وأراد الصلاة فيها، فإن تمكّن من الإتيان بها إلى القبلة واجداً لشرطي الاستقبال والاستقرار ولغيرهما من الشروط صحّت، وإلّا لم ‏تصحّ - على الأحوط لزوماً - إذا كان في سعة الوقت، بحيث يتمكّن من الإتيان بها واجدة للشروط بعد النزول من الطائرة، وأمّا إذا ضاق الوقت، وجب عليه الإتيان بها فيها، وعندئذٍ إن علم بكون القبلة في جهة خاصّة صلّى إليها، ولا تصحّ صلاته لو أخلّ بالاستقبال إلّا مع الضرورة، وحينئذٍ ينحرف إلى القبلة كلّما انحرفت الطائرة ويسكت عن القراءة والذكر في حال الانحراف.
وإن لم ‏يتمكّن من استقبال عين القبلة فعليه مراعاة أن تكون بين اليمين واليسار، وإن لم ‏يعلم بالجهة التي توجد فيها القبلة بذل جُهْدَه في معرفتها ويعمل على ما يحصل له من الظنّ، ومع تعذّره يكتفي بالصلاة إلى أيّ جهة يحتمل وجود القبلة فيها، وإن كان الأحوط استحباباً الإتيان بها إلى أربع جهات، هذا فيما إذا تمكّن من الاستقبال، وإن لم ‏يتمكّن منه إلّا في تكبيرة الإحرام اقتصر عليه، وإن لم يتمكّن منه أصلاً سقط، ثُمَّ إنّه يجوز ركوب الطائرة ونحوها اختياراً قبل دخول الوقت وإن علم أنّه يضطرّ إلى أداء الصلاة فيها فاقداً لشرطي الاستقبال والاستقرار .
مسألة 84: لو ركب طائرة سرعتها سرعة حركة الأرض، وكانت متّجهة من الشرق إلى الغرب، ودارت حول الأرض مدّة من الزمن، فالأحوط الإتيان بالصلوات الخمس بنيّة القربة المطلقة في كلّ أربع وعشرين ساعة، وأمّا الصيام فيجب عليه قضاؤه.
وأمّا إذا كانت سرعتها ضِعْف سرعة الأرض - حيث تتمّ الدورة عندئذٍ في كلّ اثنتي عشرة ساعة - فالأحوط لزوماً أن يأتي بصلاة الصبح عند كلّ فجر، وبالظهرين عند كلّ زوال، وبالعشاءين عند كلّ غروب.
ولو دارت الطائرة حول الأرض بسرعة فائقة بحيث تتمّ كلّ دورة في ثلاث ساعات مثلاً أو أقلّ، فالظاهر عدم وجوب الصلاة عليه عند كلّ فجر وزوال وغروب، والأحوط لزوماً أن يأتي بها في كلّ أربع وعشرين ساعة بنيّة القربة المطلقة، مراعياً وقوع صلاة الصبح بين طلوعين، والظهرين بين زوال وغروب بعدها، والعشاءين بين غروب ونصف ليل بعد ذلك.
ومن هنا يظهر حال ما إذا كانت حركة الطائرة من الغرب إلى الشرق، وكانت سرعتها مساوية لسرعة حركة الأرض، فإنّه يجب عليه الإتيان بالصلوات في أوقاتها، وكذا الحال فيما إذا كانت سرعتها أقلّ من سرعة الأرض، وأمّا إذا كانت سرعتها أكثر من سرعة الأرض بكثير، بحيث تتمّ الدورة في ثلاث ساعات مثلاً أو أقلّ، فيظهر حكمه ممّا تقدّم.
مسألة 85: من كانت وظيفته الصيام في السفر، وطلع عليه الفجر في بلده، ثُمَّ سافر جوّاً ناوياً للصوم، ووصل إلى بلد آخر لم ‏يطلع الفجر فيه بعد، جاز له الأكل والشرب ونحوهما من سائر المفطرات إلى حين طلوع الفجر في البلد الثاني.
مسألة 86: من سافر في شهر رمضان من بلده بعد الزوال ووصل إلى بلد لم‏ تَزُلْ فيه الشمس بعد فالأحوط لزوماً أن يتمّ صيام ذلك اليوم ولا يجب عليه قضاؤه حينئذٍ.
مسألة 87: من كان وظيفته الصيام في السفر، إذا سافر من بلده الذي رئي فيه هلال شهر رمضان إلى بلد لم‏ يُرَ فيه الهلال بعدُ، لاختلافهما في الأفق، لم ‏يجب عليه صيام ذلك اليوم، ولو عيّد في بلد رئي فيه هلال شوّال، ثُمَّ سافر إلى بلد لم ‏يُرَ فيه الهلال، لاختلاف أفقهما، فالأحوط لزوماً له الإمساك بقيّة ذلك اليوم وقضاؤه.
مسألة 88: إذا فرض كون المكلّف في مكان نهاره ستّة أشهر وليله ستّة أشهر مثلاً، فالأحوط لزوماً له في الصلاة ملاحظة أقرب الأماكن التي لها ليل ونهار في كلّ أربع وعشرين ساعة، فيصلّي الخمس على حسب أوقاتها بنيّة القربة المطلقة، وأمّا في الصوم فيجب عليه الانتقال إلى بلد يتمكّن فيه من الصيام إمّا في شهر رمضان أو من بعده، وإن لم ‏يتمكّن من ذلك فعليه الفدية بدل الصوم.
وأمّا إذا كان في بلد له في كلّ أربع وعشرين ساعة ليل ونهار - وإن كان نهاره ثلاثاً وعشرين ساعة وليله ساعة أو العكس - فحكم الصلاة يدور مدار الأوقات الخاصّة فيه، وأمّا صوم شهر رمضان فيجب عليه أداؤه مع التمكّن منه، وأمّا مع عدمه فإن كان حرجىّاً علىه بحدّ لا ىُتحمّل عادة بسبب طول النهار وغلبة العطش - مثلاً - فالأحوط لزوماً أن ىمسك من طلوع الفجر بقصد القربة المطلقة ولا ىُفطر في أثناء النهار إلّا عند ما ىُصبح الاستمرار على الامساك حرجىّاً علىه، والأحوط لزوماً عندئذٍ أن ىقتصر في الأكل أو الشرب على مقدار الضرورة وىُمسك بقىّة النهار .
وأمّا إن كان الصوم ضررىّاً علىه فحكمه حكم المرىض فىسقط عنه الصوم، فإن تمكّن من قضائه وجب، وإلّا فعلىه الفدىة بدله وهي التصدّق بمدّ من الطعام على الفقىر عن كلّ ىوم.

• (24) أوراق اليانَصيب
وهي أوراق توزّعها بعض الشركات وتأخذ بإزائها مبالغ معيّنة من المال، وتتعهّد الشركة بأن تقرَع بين أصحاب البِطاقات، فمَنْ أصابته القرعة تدفع له مبلغاً بعنوان الجائزة، وهذه العمليّة يمكن أن تقع على وجوه:
الأوّل: أن يكون إعطاء المال عند تسلّم البطاقة بإزاء الجائزة المحتمل حصوله عليها أيْ على تقدير إصابة القرعة باسمه، وهذه المعاملة محرّمة وباطلة بلا إشكال، فلو ارتكب المحرّم وأصابت القرعة باسمه، فإن كانت الشركة حكوميّة فالمبلغ المأخوذ منها مجهول المالك، وجواز التصرّف فيه متوقّف على الاستئذان من الحاكم الشرعيّ، وإن كانت الشركة أهليّة جاز التصرّف فيه مع إحراز رضا أصحابه بذلك حتّى مع علمهم بفساد المعاملة.
الثاني: أن يكون إعطاء المال مجّاناً وبقصد الاشتراك في مشروع خيريّ، كبناء مدرسة أو جِسْر أو نحو ذلك، لا بقصد الحصول على الربح والجائزة، وهذا لا بأس به.
ثُمَّ إنّه إذا أصابت القرعة باسمه يجوز له أخذ الجائزة والتصرّف فيها مع الاستئذان في ذلك من الحاكم الشرعيّ إذا كانت الشركة حكوميّة في بلد إسلاميّ، وإلّا فلا حاجة إلى إذنه.
الثالث: أن يكون دفع المال بعنوان إقراض الشركة، بحيث تضمن له عوضه، ويكون له أخذه بعد ستّة أشهر مثلاً، ولكن الدفع المذكور مشروط بأخذ بطاقة اليانصيب على أن تدفع الشركة له جائزة عند إصابة القرعة باسمه، وهذه المعاملة محرّمة، لأنّها من القرض الربويّ.
والحمد لله ربّ العالمين

(1) قد يقال: إنّ البيع والقرض يفترقان من جهةٍ أُخرى، وهي اعتبار وجود فارق بين العوض والمعوّض في البيع، وبدونه لا يتحقّق البيع وعدم اعتبار ذلك في القرض، ويترتّب على ذلك أنّه لو باع مائة دينار بمائة وعشرة دنانير في الذمّة، فلا بُدَّ من وجود مائز بين العوضين كأن يكون أحدهما ديناراً عراقيّاً والثاني ديناراً أردنيّاً، وأمّا لو كانا جميعاً من الدينار العراقيّ مثلاً من فئة وطبعة واحدة فهو قرض بصورة البيع، لانطباق العوض على المعوّض مع زيادة فيكون محرّماً لتحقّق الربا فيه.
ولكن هذا غير واضح، لأنّه يكفي في تحقّق مفهوم البيع وجود التغاير بين العوضين في وعاء الإنشاء من حيث كون المعوّض عيناً شخصيّة والعوض كلّيّاً في الذمّة، مضافاً إلى أنّ لازم هذا الرأي القول بصحّة بيع عشرين كيلو من الحنطة نقداً بمثلها نسيئة بدعوى أنّه قرض غير ربويّ حقيقة وإن كان بصورة البيع، مع أنّه - كما يعترف هذا القائل - من بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة حكميّة فيكون من الربا المحرّم.
→ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
العربية فارسی اردو English Azərbaycan Türkçe Français